دعوات الى تغيير النظام في تونس: هل يعيش النظام البرلماني أيامه الأخيرة؟

2020 Mai : 21أخبار

يبدو أن ارتفاع الحرارة شمل أيضا المجال السياسي، حيث ساد التوتر و تعالت الأصوات المنادية بتغير النظام السياسي و تحميله مسؤولية فشل الحكومات المتعاقبة و انعكاسه على سير دواليب الدولة و مؤسساتها، و أصوات أخرى تدعو الى حل الحكومة و اسقاطها و اعتبارها حكومة فاشلة، و تدعو الى توسيع الائتلاف الحكومي لضمان هدوء نسبي يسمح بتجاوز أزمة الكورونا و الاهتمام بالإصلاح الحقيقي لنظام الدولة و منوالها الاقتصادي و الاجتماعي.

  • نظام برلماني في ظل برلمان متوتر

يتهم عدد من  الاعلاميين و السياسيين مجلس النواب بكونه أحد أسباب التوتر التي يعرفها المشهد السياسي في تونس ان لم يكن أهمها خاصة مع استمرار اعتصام رئيسة الحزب الدستور الحر عبير موسي وعدد من نواب كتلة الحزب، و دخول النائب مجدي بودينة في اضراب جوع سيلتحق به غدا الجمعة 22 ماي أحد زملائه الى أن تدخل كامل الكتلة في الاضراب تدريجيا، احتجاجا على  رئيس البرلمان راشد الغنوشي و رفض مكتب مجلس النواب عرضه  على المسائلة  خلال جلسة عامة على خلفية  “علاقاته الخارجية المشبوهة” الموجبة للمسائلة في جلسة عامة، وهو ما يرفضه الغنوشي و مكتب المجلس ليخلق “توتر” داخل قبة باردو ، تنذر كل المؤشرات على أنه من سيتصاعد بسبب وجود الأرضية المناسبة لدلك.

لم تخلو أيضا أي جلسة عامة  تقريبا من شجار أو تلاسن بين نائبين أو كتلتين أو حزبين حتى مكونات الائتلاف الحاكم نفسه، فحركة النهضة تستعمل ذراعها الأيمن سيف مخلوف و ائتلاف الكرامة لخوض الصراعات بالوكالة عنها، و لانهاك باقي مكونات التحالف الحكومي خصوصا حركة الشعب و التيار الديمقراطي، و ربما افشال الحكومة و فسح المجال أم توسيع التحالف الحاكم ليشمل قلب تونس و ائتلاف الكرامة و هو ما تسعى اليه حركة النهضة لقطع الطريق أما قيس سعيد و افشال دعوته السياسية الناشئة.

لا يمكن لأي طرف الانكار أن علاقة مجلس النواب بقصبة و قرطاج متوترة خصوصا مع خروج الصراع الثنائي بين رئيسي مجلس النواب و الجمهورية للعلن. حيث لم يعد خافيا على أحد ان التيار لا يمر بين قيس سعيد و راشد الغنوشي و هو ما صعب نجاح نظام برلماني يشترط وجود تحالف حكومي قوي و كتل نيابية متوازنة و هو غير متوفر حاليا في مجلس أشبه بالفسيفساء التي تجمع أكر من متضاد و أكثر من تيار ايديولوجي مختلف عن الاخر.

و هو ما نتج عنه بروز دعوات  الى الاحتجاج ، وتنظيم اعتصام الرحيل 2 أمام مقر مجلس نواب الشعب، في اعادة لسيناريو اعتصام باردو 2013 الذي عطل اشغال البرلمان وانتهى بإسقاط حكومة علي العريض او ما تم تسميتها بالترويكا2.

  • الدعوة الى الجمهورية الثالثة

الجو المتوتر صلب مجلس نواب الشعب بالإضافة الى الخلافات المتكررة بين الأحزاب المشكلة للائتلاف الحاكم  و الاختلاف بين نواب اصبح المتابع ينتظر الجلسات العامة لمجلس النواب على أحر من الجمر لمشاهدة خلافاتهم و صراعتهم الثنائية، تزامن مع دعوة الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل نور الدين الطبوبي الرسمية لإجراء استفتاء حول طبيعة النظام السياسي في تونس بسبب ما أسماه أزمة سياسية حادة تعيشها البلاد، ومع تنامي الصراعات بين مختلف مكونات المشهد التي لم تنتج سوى مزيدًا من التطاحن السياسي على حد تعبيره.

الطبوبي اعتبر ان 10 سنوات ذهبت هباء من عمر الشعب التونسي في ظلّ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها البلاد كما اعتبر أن الجمهورية الثانية لم تحقق شيئا للشعب التونسي و لم تتقابل و انتظاره من الاحزاب التي انتخبها لتشكل الحكومة، واعتبر أيضا ان البلاد تعيش أزمة سياسية بامتياز داعيا إلى إجراء استفتاء شعبي لتقييم النظام السياسي إن كان ناجحا أو فاشلا.

دعوة الطبوبي تزامنت مع تصريحات مماثلة لمحسن مرزوق الأمين العام لحزب مشروع تونس الدي اعتبر أنه لا مستقبل لتونس إلا بجمهورية ثالثة لأن النظام السياسي الحالي ومعه النظام الانتخابي يشبه “الحبل اللي يكتف البلاد وطاقاتها”، مضيفا “الجمهورية الثالثة هي الحلّ وتغيير النظام السياسي ضرورة ورئيس الجمهورية تحدث عن سحب الوكالة والاستفتاء الأمر الذي جعله يتعرّض لهجمة شرسة”.

محسن مرزوق هاجم النظام السياسي في تونس و دعا  إلى التوجه نحو نظام رئاسي ديمقراطي، مؤكدا ان الجمهورية الثانية والنظام الحالي سبب كل المصائب واصفا النظام الحالي بنظام الأحزاب الدي يولي المصلحة الأولى لمصالح الأحزاب  مضيفا أن السلطة لم تسلم بعد للشعب.

و أضاف مرزوق أن مرض النظام الحالي أصبح جليا ووضحا فمن جهته رئيس الجمهورية يدعو لتغيير النظام السياسي والدستوري و من جهة أخرى رئيس البرلمان أصبح رئيسا  لوحده بينما رئيس الحكومة بينهما ينتظر دعم البرلمان  وفي ذات الوقت دعم رئيس الجمهورية لأنه من عينه ». و أكد مرزوق أن الحل هو مؤتمر وطني لحل التعطيلات المتبقية خاصة المحكمة الدستورية.

حزب الامل برئاسة سلمى اللومي أصدر بيانا دعا فيه إلى تركيز المحكمة الدستورية التي بقيت رهينة التجاذبات السياسية والحزبية وضرورة الاتفاق على أسماء أعضاء المحكمة وفق معايير الكفاءة والاستقلالية والنزاهة، وتشكيل لجنة لصياغة التعديلات الدّستورية الضرورية من أجل نظامي حكم و انتخابات لجمهورية ثالثة بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة.

و دعا البيان الى تنقيح القانون الانتخابي من أجل برلمان مستقر يمثل الناخب و يكون في مستوي الأمانة المناطة بعهدته و يفرز أغلبية واضحة من الحكم وعرض التعديلات المتفق عليها على البرلمان الحالي للمصادقة ثم على الاستفتاء الشعبي.

و في الاثناء دعا الحزب الى التوافق حول حكومة كفاءات وطنية مصغرة غير متحزبة و غير معنية بالاستحقاقات الانتخابية دورها الرئيسي ادارة المرحلة الانتقالية واحتواء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتسهيل إرساء الجمهورية الثالثة.

  • صراع خفي خرج الى العلن

أثناء الانتخابات الرئاسية حاولت حركة النهضة الايهام بأن المترشح قيس سعيد مرشحها الخفي و دعت البعض من ناخبيها الى التصويت له كي تسجل نقاطا سياسية عنده و على حسابه، لكن سرعان ما حضرت الخلافات بين مشروع قيس سعيد القائم اساسا على تغيير نظام الحكم و حركة النهضة لتخرج الى العلن. فقيس سعيد له مناصرون في المجلس هم في عداء مع حركة النهضة و حركة النهضة لديها مناصرون و أعين قريبة من الرئيس قيس سعيد، و كلاهما يحاول بسط نفوده و سرقة بعض الصلاحيات من الاخر، فرئيس الجمهورية وصلت اليه بطريقة أو بأخرى صلاحية تعيين مرشح لرئاسة الحكومة و فعلا عين شخصية قد لا تكون طيعة بالنسبة لحركة النهضة و بنى تحالفا حكوميا بوجود النهضة لكن بوجود ضعيف فالجميع يتذكر اصرار الفخفاخ على اقصاء قلب تونس و ائتلاف الكرامة من التشكيل الحكومي لإضعاف حركة النهضة و افقادها حلفين قويين في حين تسعى حركة النهضة الى السيطرة على ملف السياسة الخارجية، والدفاع، والأمن، وهى الصلاحيات التابعة لرئيس الجمهورية  وفرض أجندتها داخلها، من خلال لعب راشد الغنوشي لأدوار خارجية عبر التواصل مع شخصيات أجنبية والتشاور حول عدد من ملفات خارجية ولعل أبرزها لقائه مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في اسطنبول، بالإضافة إلى اجتماعاته مع قادة الاخوان فى ليبيا ومنهم رئيس المجلس الأعلى للدولة الإخواني خالد مشرى، وهو ما يشكل تعديا على صلاحيات الرئيس التونسي .

في العرف التونسي، يرتبط شهرا ديسمبر و جانفي بالحراك الاجتماعي و الثورة و حدة الأوضاع السياسية و يعتبر شهر اسقاط الحكومات أو البداية فيه، لكنه تزامن خلال سنة 2020 مع المفاوضة حول حكومة الفخفاخ ثم الحظر الصحي الشامل، و مر الشهران بسلام، و ان كان مرورا يعتبره بعض السياسيين مؤقتا حيث يرى الكثيرون أنه سيكون شتاء تونس خلال الصيف القادم سياسيا.

Share This: