مكافحة الفساد: الحوكمة المفتوحة والكذبة المفضوحة

2017 Juin : 17أخبار

تسريبات من التحوير الوزاري المرتقب: الراجحي وزيرا للمالية وبوعبدلي وزيرا للتربية ..وهؤلاء المغادرون
تسريبات من التحوير الوزاري المرتقب: الراجحي وزيرا للمالية وبوعبدلي وزيرا للتربية ..وهؤلاء المغادرون

كثر الحديث خلال الأيام الأخيرة عن الحوكمة المفتوحة وكذلك الميزانية أو الموازنة المفتوحة. الحوكمة المفتوحة هي أحد طرق إدارة الحكم الذي يكفل للمواطنين الحق في الحصول على وثائق وإجراءات الحكومة بغاية بإجراء رقابة فعالة من قبل العامة.

أما مبادرة الموازنة المفتوحة التابعة لمنظمة الشراكة الدولية للموازنات فهي برنامج بحثي وترويجي دولي يدعم تبني أنظمة مالية عامة تتسم بالشفافية والقابلية للمساءلة والمشاركة.

تؤمن مبادرة الشراكة الدولية للموازنات أن الموازنات المفتوحة تتيح للمواطنين الحكم فيما إذا كان المسؤولون عن إدارة المال العام وكلاء صالحين وأمناء تجاه المال العام. علاوة على ذلك، فإن الموازنات التي تتميز بالشفافية والمشاركة تقلل فرص الإهدار أو الفساد في الإنفاق وبالتالي يمكن أن تزيد الموارد المتاحة لمحاربة الفقر. تم تبني هذه المقاربة من قبل أكثر من 100 بلد عبر العالم.

في هذا الإطار وفي إطار العمل على تجسيم ما ورد بالمرسوم عدد 41 لسنة 2011 المتعلق بحق النفاذ للوثائق الإدارية، بادرت الحكومة التونسية، في إطار ذر الرماد في العيون ومغالطة الرأي العام المحلي والدولي، إلى وضع منظومة البياناات المفتوحة التي تزعم أنها تمكن المواطنين من النفاذ إلى عدة بيانات ومعلومات صادرة عن الإدارات المركزية والجهوية في الدولة والهياكل المحلية والمؤسسات العمومية.

زيادة على مسألة ذر الرماد في العيون ومغالطة الرأي العام المحلي والدولي في إطار ديموقراطية الديكور التي وضع أسسها سيدهم بن علي الذي إتضح أنه أقل قذارة وفسادا من خلفائه الذين لم يحيدوا عن دربه ونهجه، كبدت مسرحية الحوكمة والميزانية المفتوحة الخزينة العامة ملايين الدينارات التي إستحوذت عليها مكاتب دراسات ترجع ملكية إسهمها ومناباتها لأشخاص ينتمون لأحد الأحزاب الحاكمة دون أن يفتح تحقيق بخصوص ذلك وبخصوص كل الصفقات المشبوهة التي منحها وزراء ذاك الحزب لمكاتب الدراسات والإستشارات المملوكة من قبل البعض من أعضائه.

وقد إتضحت كذبة التشاركية الواردة بالدستور والحوكمة والميزانية المفتوحة من خلال الكم الهائل من الوثائق التافهة التي أمدت بها الحكومة الإتحاد العام التونسي للشغل لمغالطته على إثر مطالبته بالحصول على معطيات وبيانات معينة حتى يأخذ قراره بخصوص تأجيل الزيادة في الأجور والترفيع في الضغط الجبائي على صنف من الإجراء في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2017. كما أن تلك الكذبة باتت مفضوحة من خلال الإصرار على إحالة مشاريع قوانين المالية من قبل رئاسة الحكومة على مجلس نواب الشعب رغم تضمنها لأحكام ناهبة وسالبة لمن يقومون بواجبهم الجبائي مقابل تبييض المتهربين من دفع الضريبة كمئات الآلاف من الناشطين بالسوق الموازية بما في ذلك بعض أصحاب المهن الحرة وتجاهل المقترحات الناجعة التي تقدمت بها بعض المنظمات المهنية وبعض الشخصيات الوطنية من أجل التصدي بصفة ناجعة وفعالة للتهرب والفساد في المجال الجبائي الذي يكلفنا سنويا عشرات آلاف ملايين الدينارات.

إن كذبة الميزانية والحوكمة المفتوحة تتضح من خلال عدم نشر قائمة الديون العمومية التي تقدر بعشرات مليارات الدينارات والتي تم إسقاطها بصفة متعمدة بمرور الزمن وذلك من خلال تعمد عدم القيام بإجراءات إستخلاصها طيلة أكثر من 5 سنوات أو إفتعال أخطاء إجرائية عند إستخلاصها أو التقاضي بخصوصها ويكفي الاطلاع على تقرير دائرة المحاسبات لسنة 2016 بخصوص الديون الديوانية التي تم إسقاطها بصفة متعمدة وكذلك تقارير دائرة المحاسبات المتعلقة بأمانات المال الجهوية لتونس الكبرى والمركز الجهوي لمراقبة الآداءات ببن عروس والقباضة المالية بحي المهرجان والخزينة العامة للبلاد التونسية.

كما تتضح تلك الكذبة من خلال عدم نشر قائمة الديون الجبائية التي ساهمت في شطبها ما يسمى «اللجنة الإستشارية المكلفة بالنظر في عرائض المطالبين بالآداء» والتي عملت من سنة 1998 إلى موفى سنة 2010 خارج إطار القانون، علما أن المدعو فيصل دربال مستشار رئيس الحكومة الحالي كان عضوا بها إلى جانب عضويته بلجنة البرنامج الإقتصادي المستقبلي للمخلوع صلب التجمع.

أيضا تتضح تلك الكذبة من خلال عدم نشر قائمة اللزمات والأتاوات المتعلقة بها والمنتفعين بها والديون العمومية المتخلدة بذمتها، علما أن مداخيلها تقدر بآلاف ملايين الدينارات وهذا الملف لم يفتح إلى حد الآن.

لماذا لم تبادر الحكومة بنشر قائمة الضيعات الفلاحية الدولية والمنتفعين بها وقيمة أكريتها والديون العمومية المتخلدة بمستغليها، علما أن معينات كرائها رمزية وغير مطابقة للأسعار المعمول بها في السوق وقد كبد ذلك المجموعة الوطنية خسائر كبيرة.

لماذا لم تبادر بنشر قائمة الشركات التابعة لأصهار بن علي وأقاربه ومواليه التي تم منحها الإعفاء الكلي من الضريبة على الشركات بصفة غير قانونية مثل على سبيل الذكر لا الحصر شركة «الطيران الجديد» وشركة الطيران «كارتاقو» والشركة السويبسرية للفضاءات الحرة بالمطارات «وايتناور» (فري شوب)، علما أن هذا الملف الذي كان موضوع جلسة عمل وزارية بتاريخ 18 جوان 2013 كلف الخزينة  العامة أكثر من ألفي مليون دينارا وقد تم التكتم عليه إلى حد الآن.

لماذا ترفض الحكومة نشر قائمة في آلاف ملايين الدينارات التي أهدرت في إطار منح مالية أسندت لإستثمارات صورية وغير حقيقية خاصة بمناطق التنمية الجهوية كما أثبتت ذلك دائرة المحاسبات من خلال تقريرها المتعلق بوكالة النهوض بالصناعة والتجديد حيث ثبت لديها أن هناك إستثمارات صورية تم تبريرها بفواتير مزورة، علما أن تلك الجريمة لا زالت متواصلة.

لماذا لم تبادر الحكومة بنشر قائمة في أصحاب المهن الحرة والتجار الذين يعملون دون التصريح بوجودهم لدى إدارة الجباية أي بدون باتيندة، علما أن هؤلاء لهم معاملات تقدر بما يقارب 60 مليار دينارا وقد ساهموا بطريقة خطيرة في تخريب النسيج الصناعي والخدماتي وحتى الفلاحي من خلال على سبيل الذكر لا الحصر تهريب البطاطة اليوم من القطر الجزائري ملحقين أضرارا جسيمة بالفلاحين.

لماذا لم يبادر رئيس الحكومة بنشر قائمة في الأشخاص الذين ساهموا في تخريب النسيج الصناعي وإنتشار الأمراض والأوبئة بالبلاد وإستنزاف مواردنا من العملة الصعبة وتنمية التهرب الجبائي وذلك من خلال إغراق البلد بالبضائع الأجنبية القاتلة والمسرطنة ومصادرة أملاكهم.

لماذا ترفض الحكومة إلى حد الآن بتعلة الحفاظ على السر المهني وغير ذلك من التعلات الواهية نشر قائمة في الديون البنكية المتفحمة التي صرح محافظ البنك المركزي أنها تفوق 12500 مليون دينارا والمنتفعين بها وكذلك الديون البنكية التي تم شطبها بطريقة غير قانونية وبالأخص تلك التي شطبت خلال سنة 2003 عند إصدار القانون المتعلق بتطهير بنوك التنمية التي تملك الدولة نصف رأسمالها مع الكويت وقطر والسعودية والإمارات والتي تم القضاء عليها وإلزامها بالتحول إلى بنوك شاملة والمنتفعين بالشطب من الموالين والأقارب.

لماذا لم تبادر الحكومة بنشر قائمة في ميزانيات بعض الهياكل العمومية التي لا تنتج شيئا مثل الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والموفق الإداري والهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية وغيرها من الهياكل الصورية التي يهدر من خلالها المال العام. الأتعس من ذلك أن ترفض الحكومة حذف تلك الهياكل التي هي جزء من مأساة تونس وشعبها.

لماذا ترفض الحكومة نشر قائمة في مقاطع الطين والرمل والحجارة والرخام التي تم نهبها والمقاطع المسوغة بمبالغ رمزية والديون المتخلدة بمستغليها.

لماذا ترفض الحكومة نشر قائمة في المستشارين والمكلفين بمأمورية لدى الوزارات ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية وحجم الأجور التي يتمتعون بها دون أن ينتجوا شيئا بإعتبار أن فاقد الشيء لا يعطيه وكل إناء بما فيه يرشح والطيور على أمثالها تقع دون الحديث عن الإجراءات المشبوهة لتعيينهم.

لماذا ترفض الحكومة نشر قائمة شاملة وكاملة في كل أملاك الدولة وكيفية إستغلالها، علما أن الحكومة ليس بحوزتها تلك القائمة المنصوص عليها بالأمر المنظم لوزارة أملاك الدولة والمرسوم عدد 41 لسنة 2011 المتعلق بحق النفاذ للوثائق الإدارية الذي نص على ضرورة الإشهار لأصول الدولة لدى العموم.

لماذا ترفض الحكومة نشر قائمة في جرايات الوزراء وكتاب الدولة والولاة وأعضاء مجلس النواب الممنوحة على أساس قوانين تمييزية وغير دستورية صاغتها العصابة الحاكمة على مقاسها. تلك القوانين الإجرامية ساهمت خاصة في تخريب الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الإجتماعية. كان من المفروض حذف أنظمة التقاعد الإجرامية الخاصة إحتراما للفصل 21 من الدستور الذي كرس المساواة بين المواطنين.

لماذا يرفض رئيس الحكومة تفعيل أحكام الفصل 7 من القانون عدد 17 لسنة 1987 المتعلق بالتصريح بمكتسبات بعض أصناف الموظفين والعمل على إلزام الموظفين بالتصريح بمكتسباتهم عبر شبكة الأنترنات رغم أن المكتسبات غير الشرعية لبعض الموظفين تقدر بعشرات مليارات الدينارات، علما أن كل مواطني دولة النرويج ملزمون بفعل ذلك.

لماذا ترفض الحكومة التي تتشدق بالميزانية والحوكمة المفتوحة نشر قائمة الصناديق الخاصة للخزينة ومداخيلها ومصاريفها، علما أن وزير المالية السابق سليم شاكر رفض مد دائرة المحاسبات بتلك المعلومات مما حال دون مراقبتها في إطار ختم ميزانية 2013 دون الحديث عن الصناديق غير المدرجة بميزانية الدولة مثلما هو الشأن على سبيل الذكر لا الحصر بالنسبة للصندوق المحدث بمقتضى الفصل 57 من قانون المالية لسنة 1975 الذي ساهم في تخريب القدرات التنافسية للمؤسسات من غير الصناعية المصدرة كليا وقد رفض النواب والحكومة إدراجها ضمن ميزانية الدولة كما أوصت بذلك دائرة المحاسبات.

Share This: